فصل: قال الشعراوي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



والتقدير: والذين يدعونهم من دونه لا يستجيبون لهم.
وأجري على الأصنام ضمير العقلاء في قوله: {لا يستجيبون} مجازاة للاستعمال الشائع في كلام العرب لأنهم يعاملون الأصنام معاملة عاقلين.
والاستجابة: إجابة نداء المنادي ودعوة الداعي، فالسين والتاء لقوة الفعل.
والباء في بشيء لتعدية: {يستجيبون} لأن فعل الإجابة يتعدى إلى الشيء المجاب به بالباء، وإذا أريد من الاستجابة تحقيق المأمول اقتصر على الفعل.
كقوله: {فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن} [سورة يوسف: 34].
فلما أريد هنا نفي إجداء دعائهم الأصنام جعل نفي الإجابة متعديًا بالباء إلى انتفاء أقل ما يجيب به المسؤول وهو الوعد بالعطاء أو الاعتذار عنه، فهم عاجزون عن ذلك وهم أعجز عما فوقه.
وتنكير شيء للتحقير.
والمراد أقل ما يجاب به من الكلام.
والاستثناء في {إلا كباسط كفيه} من عموم أحوال الداعين والمستجيبين والدعوة والاستجابة، لأنه تشبيه هيئة فهو يسري إلى جميع أجزائها فلك أن تقدر الكلام إلا كداع باسط أو إلاّ كحال باسط.
والمعنى: لا يستجيبونهم في حالٍ من أحوال الدعاء والاستجابة إلا في حالٍ لداعٍ ومستجيبٍ كحال باسطٍ كفيه إلى الماء.
وهذا الاستثناء من تأكيد الشيء بما يشبه ضده فيؤول إلى نفي الاستجابة في سائر الأحوال بطريق التمليح والكناية.
والمراد بـ {باسط كفيه} من يغترف ماء بكفين مبسوطتين غير مقبوضتين إذ الماء لايستقر فيهما.
وهذا كما يقال: هو كالقابض على الماء، في تمثيل إضاعة المطلوب.
وأنشد أبو عبيدة:
فأصبحت فيما كان بيني وبينها ** من الودّ مثل القابض الماءَ باليد

و{إلى} للانتهاء لدلالة: {باسط} على أنه مَدّ إلى الماء كفيه مبسوطتين.
واللام في: {ليبلغ} للعلة.
وضمير: {يبلغ} عائد إلى الماء.
وكذلك ضمير: {هو} والضمير المضاف إليه في {بالغه} للفم.
والكلام تمثيلية.
شبّه حال المشركين في دعائهم الأصنام وجلب نفعهم وعدم استجابة الأصنام لهم بشيء بحال الظمآن يبسط كفيه يبتغي أن يرتفع الماء في كفيه المبسوطتين إلى فمه ليرويه وما هو ببالغ إلى فمه بذلك الطلب فيذهب سعيه وتعبه باطلًا مع ما فيه من كناية وتمليح كما ذكرناه.
وجملة: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} عطف على جملة: {والذين يدعون من دونه} لاستيعاب حال المدعو وحال الداعي.
فبينت الجملة السابقة حال عجز المدعو عن الإجابة وأعقبت بالتمثيل المشتمل على كناية وتمليح.
واشتمل ذلك أيضًا بالكناية على خيبة الداعي.
وبينت هذه الجملة الثانية حال خيبة الداعي بالتصريح عقب تبْيينه بالكناية.
فباختلاف الغرض والأسلوب حَسنُ العطف، وبالمآل حصل توكيد الجملة الأولى وتقريرُها وكانت الثانية كالفذلكة لتفصيل الجملة الأولى.
والضلال: التلف والضياع.
و{في} للظرفية المجازية للدلالة على التمكن في الوصف، أي إلا ضائع ضَياعًا شديدًا. اهـ.

.قال الشنقيطي:

قوله تعالى: {هُوَ الذي يُرِيكُمُ البرق خَوْفًا وَطَمَعًا}. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي يرى خلقه البرق خوفًا وطمعًا. قال قتادة: خوفًا للمسافر. يخاف أذاه ومشقته، وطمعًا للمقيم يرجو بركته ومنفعته ويطمع في رزق الله. وعن الحسن: الخوف لأهل البحر، والطمع لأهل البر. وعن الضحاك: الخوف من الصواعق والطمع في الغيث.
وبين في موضع آخر: أن إراءته خلقه البرق خوفًا وطمعًا من آياته جل وعلا، الدالة على أنه المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له. وذلك في قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ البرق خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السماء مَاءً} [الروم: 24] الآية. اهـ.

.قال الشعراوي:

وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه عن ظاهرة في الكون لها وجهان وتُسْتقبل استقبالين؛ أحدهما: سَارّ، والآخر: مُزْعِج؛ سواء في النفس الواحدة أو في الجماعة الواحدة.
فيقول الحق سبحانه: {هُوَ الذي يُرِيكُمُ البرق...} وكُلُّنا يعرف البَرْق، ونحن نستقبله بالخوف مما يُزعِج وبالطمع فيما يُحَبّ ويُرْغَب، فساعةَ يأتي البرق فنحن نخاف من الصواعق؛ لأن الصواعقَ عادة تأتي بعد البَرْق؛ أو تأتي السحابات المُمْطِرة.
وهكذا يأتي الخَوْف والطَّمَع من الظاهرة الواحدة. أو: أنْ يكون الخوف لقوم؛ والرجاء والطمع لقوم آخرين.
والمثل الذي أضربه لذلك دائمًا هو قول أحد المقاتلين العرب وصف سيفه بأنه فَتْح لأحبابه، وحَتْفٌ لأعدائه.
والمثل الآخر الذي أضربه ما رواه لنا أمير بلدة اسمها الشريعة وهي تقع بين الطائف ومكة؛ وقد حدثنا أمير الشريعة عام 1953 عن امرأة صالحة تحفظ القرآن؛ اسمها آمنة.
هذه المرأة كان لها بنتان؛ تزوَّجتا؛ وأخذ كُلُّ زَوْجٍ زوجته إلى مَحَلِّ إقامته؛ وكان أحدُ زَوْجَي البنتين يعمل في الزراعة؛ والآخر يعمل بصناعة الشُّرُك. وقالت آمنة لزوجها: ألاَ تذهب لمعرفة أحوال البنتين؟ فذهب الرجل لمعرفة أحوال البنتين، فكان أول مَنْ لقي في رحلته هي ابنته المتزوجة مِمَّنْ يحرث ويبذر، فقال لها: كيف حالك وحال زوجك وحال الدنيا معك أنت وزوجك؟
قالت: يا أَبتِ، أنا معه على خير، وهو معي على خير، وأما حال الدنيا؛ فَادْعُ لنا الله أنْ يُنزِل المطر؛ لأننا حرثنا الأرض وبذرْنَا البذور؛ وفي انتظار رَيِّ السماء.
فرفع الأب يديه إلى السماء وقال: اللهم إنِّي أسألك الغَيْث لها.
وذهب إلى الأخرى؛ وقال لها: ما حالك؟ وما حال زوجك؟ فقالت: خير، وأرجوك يا أبي أن تدعوَ لنا الله أنْ يمنع المطر؛ لأننا قد صنعنا الشِّرَاك من الطين؛ ولو أمطرتْ لَفسدتِ الشُّرُك، فَدَعا لها.
وعاد إلى امرأته التي سألته عن حال البنتين؛ فبدا عليه الضيق وقال: هي سَنة سيئة على واحدة منهما، وروى لها حال البنتين؛ وأضاف: ستكون سنة مُرْهِقة لواحدة منهما.
فقالت له آمنة: لو صبرت؛ لَقُلْتُ لك: إن ما تقوله قد لا يتحقق؛ وسبحانه قادر على ذلك.
قال لها: ونعم بالله، قولي لي كيف؟ فقال آمنة: ألم تقرأ قول الله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السماء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ...} [النور: 43]
فسجد الرجل لله شكرًا أن رزقه بزوج تُعينه على أمر دينه، ودعا: اللهم اصْرِف عن صاحب الشِّراكِ المطر؛ وأفِضْ بالمطر على صاحب الحَرْث. وقد كان.
وهذا المثل يوضح جيدًا معنى الخوف والطمع عند رؤية الرعد: {هُوَ الذي يُرِيكُمُ البرق خَوْفًا وَطَمَعًا...} [الرعد: 12]
إما من النفس الواحدة بأن يخافَ الإنسانُ من الصواعق، ويطمع في نزول المطر، أو من متقابلين؛ واحد ينفعه هذا؛ وواحد يضره هذا.
ويضيف الحق سبحانه: {... وَيُنْشِئ السحاب الثقال} [الرعد: 12]
ونحن نعلم أن السحاب هو الغَيْم المُتَراكم؛ ويكون ثقيلًا حين يكون مُعَبئًا؛ وهو عكس السحاب الخفيف الذي يبدو كَنُتَفِ القطن.
ويُقال عند العرب: لا تستبطئ الخَيْل؛ لأن أبطأَ الدلاء فَيْضًا أملؤها، وأثقلَ السحابِ مَشْيًا أَحْفلُهَا.
فحين تنزل الدَّلْو في البئر؛ وترفعه؛ فالدَّلْو المَلآن هو الذي يُرهقك حين تشدُّه من البئر؛ أما الدلو الفارغ فهو خفيفٌ لحظة جَذْبه خارج البئر؛ وكذلك السحاب الثِّقَال تكون بطيئة لِمَا تحمله من ماء.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ...} وسبق أن جاء الحق سبحانه بذكر البرق وهو ضوئيّ؛ وهنا يأتي بالرعد وهو صوتيّ، ونحن نعرف أن سرعة الضوء أسرع من سرعة الصوت؛ ولذلك جاء بالبرق أولًا، ثم جاء بالرعد من بعد ذلك.
وحين يسمع أحدُ العامةِ واحدًا لا يعجبه كلامه؛ يقول له سمعت الرعد؛ أي: يطلب له أنْ يسمع الصوت المزعج الذي يُتعِب مَنْ يسمعه. ولنا أن ننتبه أن المُزْعِجات في الكون إذا ما ذكرت مُسَبَّحة لربها فلا تنزعج منها أبدًا، ولا تظن أنها نغمة نَشّازٌ في الكون، بل هي نغمة تمتزج ببقية أنغام الكون.
ونحن نفهم أن التسبيح للعاقل القادر على الكلام، ولكن هذا عند الإنسان؛ لأن الذي خلق الكائنات كلها علَّمها كيف تتفاهم، مثلما عَلَّم الإنسان كيف يتفاهم مع بني جنسه؛ وكذلك عَلَّم كل جنس لغته.
وكلنا نقرأ في القرآن ماذا قالت النملة حين رأتْ جنودَ سليمان: {ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [النمل: 18]
وقد سمعها سليمان عليه السلام؛ لأن الله علَّمه مَنْطِق تلك اللغات، ونحن نعلم أن الحق سبحانه عَلَّم سليمان منطق الطير، قال تعالى: {عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطير...} [النمل: 16]
ألم يتخاطب سليمان عليه السلام مع الهدهد وتكلَّم معه؟ بعد أن فَكَّ سليمان بتعليم الله له شَفْرة حديث الهدهد؛ وقال الهدهد لسليمان: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدتُّ امرأة تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 22-23]
إذن: فكُلُّ شيء له لغة يتفاهم بها لقضاء مصالحه، ومَنْ يفيض الله عليه من أسرار خَلْقه يُسْمِعه هذه اللغات، وقد فاض الحقُّ سبحانه على سليمان بذلك، ففهم لغةَ الطير وتكلَّم بها مع الهدهد؛ وقال له: {اذهب بِّكِتَابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فانظر مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل: 28]
وهكذا عرفنا بقصة سليمان وبلقيس؛ وكيف فَهم سليمان مَنْطِق الطير وتكلَّم بها مع الهدهد؟ وهكذا عَلِمنا كيف يتعلَّم الإنسان لغاتٍ متعددةً؛ فحين يذهب إنسان إلى مجتمع آخر ويبقى به مُدَّة؛ فهو يتعلم لغة ذلك المجتمع، ويمكن للإنسان أن يتعلم أكثر من لغة.
وقد عرض الحق سبحانه مسألة وجود لغاتٍ للكائنات في قصة النملة وقصة الهدهد مع سليمان؛ وهما من المرتبة التالية للبشر، ويعرض الحق سبحانه أيضًا قضية وجود لغة لكل كائن من مخلوقاته في قوله: {... وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ والطير وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 79]
وكأن الجبال تفهم تسبيح داود وتُردِّده من خلفه.
أيضًا يقول الحق سبحانه: {إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق والطير مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 18-19]
وكذلك يخاطب الله الأرض والسماء، فيقول: {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا...} [فصلت: 11]
فيمتثلان لأمره: {... قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}
[فصلت: 11]
وهكذا نعلم أن لكل جنس لغةً يتفاهم بها، ونحن نلحظ أن لكل نوع من الحيوانات صَوْتًا يختلف من نوع إلى آخر، ويدرس العلماء الآن لُغةَ الأسماك، ويحاولون أنْ يضعوا لها مُعْجمًا.
إذن: فساعة تسمع: {تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ...} [الإسراء: 44]
فافهم أن ما من كائن إلا وله لغة، وهو يُسبِّح بها الخالق الأكرم.
ثم يقول تعالى: {ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ...} [الإسراء: 44]
مثلما لا يفقه جاهل بالإنجليزية لغة الإنجليز.
وقال البعض: إن المُرَاد هنا هو تسبيح الدلالة على الخالق؛ وقد حكم سبحانه بأننا لا نستطيع فَهْم تسبيح الدلالة.
ولكني أقول: إن العلم المعاصر قد توصَّل إلى دراسة لغات الكائنات وأثبتها؛ وعلى ذلك يكون التسبيح من الكائنات بالنطق والتفاهم بين مُتكلِّم وسامع، بل ولتلك الكائنات عواطف أيضًا.
ونحن نرى العلماء في عصرنا يدرسون عواطف الشجر تجاه مَنْ يسقيه من البشر، وهنا تجربة تتحدث عن قياس العلماء لذبذبة النبات أثناء رَيِّه بواسطة مُزارِع مسئول عنه؛ ثم مات للرجل؛ فقاسوا ذبذبة تلك النباتات؛ فوجدوها ذبذبة مضطربة؛ وكأن تلك النباتات قد حزنتْ على مَنْ كان يعتني بها؛ وهكذا توصَّل العلماء إلى معرفة أن النباتات لها عواطف.